حين اجتاحتنا الغربة…
بقلم :ندى يحيى ✍️
أتدرك معنى الغربة رغم القرب؟ غربة القلوب لا الطرقات، أتفهم جيداً معنى أن نكون أمواتاً على قيد الحياة؟
قد يبدو الأمر كارثياً ولكنه أعمق من كونه كارثة، فغربة القلوب تشبه تماماً تلك الغارات التي لا تترك وراءها سوى حطام ورماد لكل شيءٍ كان يسكن المكان ولكل شعور بالطمأنينة كان يلامس ذلك المكان يوماً ما.
أعرف تمامًا مدى قسوة ذلك الشعور أؤمن أنه لولا فطرتنَا على المُضِي قدماً بعد كل عثرة ووعكة وضربة كادت تقسم القلب نصفين مان جونا.
أتعرف معنى أن تتخللك الغربة دون أن تشعر؟ فأنت لا تدرك هوية ما تشعر به ولكن كل ما تتمكن من أن تصفه هو أنك تشعر بشيء من عدم الانتماء للأشياء التي اعتدت أن تنتمي إليها تلك الأشياء التي كانت في يوم من الأيام هي التي تبعث فيك الطمأنينة والامتنان والرضا رغم التعثرات.
أتعرف معنى أن تكسو الغربة حتى نظرتك للأشخاص؟ لتجد نفسك تنظر لهم بجفاء بشعور من الاعتيادية وكأن عينيك لم تحبهم من قبل، أجل إن الأعين أيضاً تحب وربما حتى قبل أن يحب قلبك فإن اجتاحت الغربة ذلك الحب أبطلت حب العينين قبل أن تُبطل حتى دقات قلبك حيال ذلك الحب.
قد تبدو تلك حقيقة كارثية ولكني دائما كنت أؤمن أن الحب مقدس؛
فلا مجال لأن نعبث هنا به مهما ظننا أنه يحمل تلك القوة الفائقة لتحمل الطعنات والوغزات والخيبات من أصحاب ذلك الحب فالرهان على بقاء ما بيننا من حب رغم كسر كل مواثيقه بيننا هو رهان كاذب،
والغربة هي اللعنة التي ستحل محل كل ذلك الحب، ومهما حاولت تجاهلها ستظل تجتاحك في كل وقت وحين وإن لم تستمع لندائها الأخير وإنذارها بأنك لم تعد في مكانٍ آمن وأنه ينبغي عليك الآن أن ترحل تماماً دون عودة فإني لا أخفي عليك سراً فمصيرك هنا هو أن تُكمل ماتبقى من عمرك ميتاً وانت على قيد الحياه.
أعلم جيداً بأن البحث عن الانتماء لكل ما يحيط بنا نعمة تستحق أن نحارب لأجلها، فلا مكان في هذه الحياة للتضحية من أجل الاستمرارية في بيوت هشة وعلاقات باتت تبعث فينا الريبة والخوف، فلا مكان هنا سوى للبحث عن السلام وليس الاستسلام، فغربة القلوب قاسية حتى أقسى من تلك المسافات البعيدة بيننا وبين من نحب، فإن كان ثمن تلك الحرب هو أن نطمئن، فلا مجال للتراجع وتقبل الانكسارِ الأبدي بفعل تلك الغربة اللعينة إن أردنا أن نبقى على قيد الحياه دون غربة تُهشم ما تبقى منا.